محمد عزة دروزة
153
التفسير الحديث
والوقوف من رسل اللَّه ودعاة الخير موقف التعطيل والعناد . فإذا جاءتهم آية كابروا وقالوا لا نصدق حتى نرى وندرك ما يراه رسل اللَّه ويدركونه . وردّ عليهم بأن كيدهم لن يضرّ غيرهم ومكرهم لن يحيق إلَّا بهم دون أن يشعروا . وتقرير بأن اللَّه تعالى يعلم أين يضع رسالته ، وكيف يصطفي ويختار رسله من بين الناس وإنذار قاصم بأن الماكرين المجرمين سيصيبهم هوان وذلة عند اللَّه ، وسينالهم العذاب الشديد جزاء مكرهم وكيدهم . والتنديد الشديد بالمجرمين من القرائن على صواب تأويلنا للجملة الأولى الذي أولنا به جملة مماثلة في الآية [ 112 ] من هذه السورة والآية [ 31 ] من سورة الفرقان ، وبه يزول ما يمكن أن يوهمه ظاهر الجملة من أن اللَّه تعالى هو الذي يسوق الأكابر إلى الإجرام والصد أو يجعل أكابر المجرمين يسودون . تعليق على آية * ( وإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّه اللَّه أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَه ) * وقد روى المفسرون ( 1 ) أن الآيات نزلت بمناسبة قول الوليد بن المغيرة من زعماء قريش لو كانت النبوة حقا لكنت أولى منك بها لأني أكبر منك سنا وأكثر مالا ، أو بمناسبة قول أبي جهل : « زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إنا صرنا كفرسي رهان فقالوا منا نبي يوحى إليه ، واللَّه لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه » . والرواية متسقة مع مضمون الآيات . وفي سورة ص آية تحكي تساؤل زعماء الكفار بأسلوب الاستكبار والإنكار عن اختصاص النبي صلى اللَّه عليه وسلم بنزول القرآن عليه من دونهم وهي : أَأُنْزِلَ عَلَيْه الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ 8 ] ، وفي سورة الزخرف آية تحكي قول زعماء الكفار بأنه كان يجب أن ينزل القرآن على أحد عظماء مكة أو الطائف وهي : وقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ
--> ( 1 ) انظر تفسير الآيات في تفسير البغوي والطبرسي .